عبد الوهاب الشعراني
203
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
حتى ننظر أيش يعمل إذا عطش فيجس الجرة بيده فيجدها فارغة فيبتسم ويضحك ويسكت . وكان كتابه المنهاج والشاطبية والمنحة وحل الثلاث كتب وصار يقرأ بالسبع وغيره وعمره نحو العشرين سنة وكنت لا أفارقه ولا يفارقني فجاءته والدته بالكعيكات التي كان يتقوت منها على عادته فأخذت قميصه تغسله فوجدت فيه أثر احتلام فقالت إني أخاف عليك من أهل هذا البلد فإن كنت في طاعة فسافر معي أزوجك في بلدي وتقعد عندي فشاورني فقلت استخر ربك فقال لا أستخير في طاعة والدتي ، وكان رحمه اللّه تعالى بار بوالدته وكانت امرأة لها قوة ، تحمل الإردب وحدها وتضعه على ظهر الحمارة قال وإن جدك رضي اللّه عنه إذا غرقت مركب فيها شيء يؤكل كالرمان والقلقاس والقصب لا يمكن أحدا من أهل بلده أن يمسك من ذلك شيئا ويقول : تشغلوا ذمتكم بشيء أنتم في غنية عنه وغرق على رغم أنفه صاحبه ودعا اللّه أن لا يصح في دور ذريته برج حمام فبنوه مرارا وكتبوا له الجلب ولم يفرخ شيئا من أن جيرانهم عندهم الأبراج وهو فيها بكثرة . وكان رضي اللّه عنه يقول : مات أبي وأنا صغير فما رباني إلا أمي فكنت أرعى للناس بهائمهم بالكراء وأتقوت وحفظت القرآن وأنا أرعى البهائم فكنت أكتب لوحي وآخذه أحفظه في الغيط فمر علي بعض الفقراء الساذجين فقال يا ولدي اسمع مني وشاور والدتك وسافر إلى مصر تعلم بها العلم فشاورت أمي فسمحت لي بذلك وزودتني زوادة آكلها في نحو أربعة شهور ثم صارت تتفقدني إلى أن رجعت إليها وأخبرني جماعة ممن قرءوا عليه أنهم لم يضبطوا عليه غيبة واحدة في أحد إلى أن مات وكذلك لم يضبطوا عليه قط مدة صحبتهم ساعة فراغ فكان إن لم يكن في عمل أخروي كان في عمل ينفع الناس . قالوا وكانت طريقته أنه يقوم رحمه اللّه بعد رقدة من الليل فيتوضأ ويصلي ما شاء اللّه أن يصلي ثم يثني ذيله في وسطه ويتحزم عليه في وسطه سراويل ثم يأخذ جرارا كبارا ويبتدئ بالقراءة فلا يزال يملأ إلى قريب الفجر وربما قرأ نصف القرآن إلى الفراغ فكان يملأ سبيل زاويته التي أنشأها بحري بلده ثم يملأ سبيل الجامع ثم يملأ سبيلا على طريق منف خارج جرن البلد ولما زوى أولاده الثلاثة والدي ومحمد وعبد الرحمن أعمامي كان يملأ لهم سقايتهم حتى مسقاة الكلاب ولا يمكن أحدا منهم يملأ ولا أحدا من عيالهم ثم يرجع إلى ميضأة زاويته فيملؤها ويملأ حيضان أخليتها وينظفها ثم يصعد إلى سطح الزاوية فيسبح اللّه وينزهه ثم يؤذن فينزل فيصلي الفجر ويقرأ السبع هو وعرفاء الأطفال ثم يصلي بالناس الصبح ثم يجلس يتلو القرآن إلى طلوع الشمس فتجتمع الأولاد في المكتب فلا يزال يعلم هذا الخط وهذا رسم الخط وهذا الإدغام وهذا الإقلاب .